الصفحات

الخميس، 20 يناير 2011

دموع على الطريق

رغم كل المعاناة التي واجهتها كموظف بسيط لتوفير ربع الثمن مقدما
لم أكد أنعم بشراء تلك السياره حتى آلمتني تلك الخدوش التي أحدثها أحد الماره في جسد السياره
لا أدري لماذا يتعمدون الأذى؟ أقسم أنني لا أؤذي أحدا وأساعد الناس بطبيعتي
كذلك زوجتي طيبة القلب تحرص دوما على فعل الخير. لماذا يشوهون سيارتي؟
لا أحد يعلم كم أعاني في تدبير القسط الشهري والذي يقارب الألف جنيه ناهيك عن سعر البنزين المتصاعد وتكلفة الصيانة الدوريه
سيارتي هي جزء مني وغالبا ما أتحدث عنها كتطوير لأدائي أو تحديث شخصي لقدرتي على السير.
مايمس سيارتي ينعكس على مزاجي وحالتي النفسيه بشكل وثيق.
لو يدرون هذا الخدش لم يفسد فرحتي فقط, لقد جرح جلدي وأصاب أنسجة جسدي بالسجحات.
------------------------------------------------------
كل صباح أنهض مبكرا وبعدما أرفع غطاء السيارة التي أهدته زوجتي إليها في عيد ميلادي!
أقوم بنفسي بغسلها بعنايه وأنفض الدواسات من الأتربه وأجمع النفايات من علب العصير الفارغه وأغلفة الشيبسي والشيكولاته التي يعشقها طفلاي.
يحرصان على عدم إلقائها في الشارع!
لابأس من هذا السلوك البيئي الحميد رغم أنه يرهقني شخصيا.
عموما فربما نويت أن أكلف حارس العمارة بهذه المهمه مقابل الثلاثين جنيه التي طلبها بمجرد الإنتهاء من دفع الأقساط.
------------------------------------------------------
كل صباح يرمقني "رشوان" بعينيه المحولتين عارضا مساعدتي بأسلوب لزج لكن نظرتي الصارمه تجبره على العودة إلى أحضان "كريمه" زوجته.
عموما فإنني قد أشترط عليه أن يستحم قبل تنظيف السياره فور انتهاء الأقساط.
ذلك الصباح لم يكد "رشوان" ينصرف حتى وجدتني أعدو صارخا تجاهه
- إنت يازفت فز ثم استطردت
- لاأدري ماذا تفعل مقابل العشرة جنيهات التي تلهفها شهريا؟
نظر إلي بسخط وهو يغطي الساق العاري لزوجته ناصعة البياض
تركته يحكم إغلاق الغرفه ويركض خلفي
- أنظر ماذا حدث؟
أخذ يتململ في وقفته ويفرك عينيه!
فزجرته
-هذه الكدمة في رفرف السياره؟
- لابد أن إحدى السيارات قد صدمتها
- يا سلام على فلاحتك! وما فائدتك أنت؟
إستجمع كل قوته واقترح هامسا في ذعر:
- إركنها في جراج
وكأنه فتح الجرح فانفجرت فيه صارخا
- نعم نعم ناقصاك انت كمان غور في داهيه
أخذ يحدق في بلاهة وركبت السياره وقد أربكتني كلماته وتذكرت أن علي أن أتكلف مائتي جنيه إضافيه للجراج ولكن من أين؟ وأنا بالكاد أتمكن من تدبير القسط.
أحتمل الوقوف في طابور العيش والتوجه إلي السوق القريب ذو الرائحة العفنه بدلا من السوبر ماركت الفاخر ناهيك عن عناء الفصال مع الباعة الجائلين كل هذا لتوفير بضعة جنيهات.
أدرت السيارة في غضب ولم أنتظر حتى يسخن الموتور واندفعت متوجها إلى عملي وعفاريت الدنيا تتقافز في وجهي.
------------------------------------------------------
سألت زميلي:
-ماذا يحدث لي؟ بالكاد أوفر تلك الأقساط
لا أستطيع تحمل تكلفة الجراج
- هل تعلم ماذا يفعلون بسيارتك بعد أن تسلم مفتاحها لعامل الجراج؟
قد ينامون بها أو يتسكعون بها ليلا وقد يلهون...
قاطعته في تهكم
- لا لا أريد مزيدا من التلوث
-----------------------------------------------------
عدت ذلك اليوم وأنا في أسوأ حالاتي متحسسا جانبي الأيمن كأنني أتفقد تلك الكدمه في رفرف السياره وكأنها أصابت جسدي أيضا
إستلقيت على أقرب مقعد في الردهه في سكون وتجهم
لم تجرؤ زوجتي وطفلاي على الاقتاب مني ولم أستعجل كعادتي طعام الغداء
بادرتني في قلق: هل تشكو من ألم في جانبك؟ هل هنا مشكله في الشغل؟
تجاهلتها في سخط وأشحت برأسي إلى أعلى
إنصرفت على الفور تفاديا لما قد يستجد
تبعها طفلاي إلى غرفتهما وهما يتلفتان خلفهما كأنهما يختلسان النظر إلي.
--------------------------------------------------------
تصر حماتي رغم مرضها وكبر سنها على العيش ببيتها
لطالما حاولنا إقناعها بالبقاء معنا أو في شقة إبنتها الأخرى دون فائده
لا تبالي أن تبقى وحيدة في ذلك البيت الكبير رغم أنها بالكاد تتحرك
في آخر مرة نطمئن عليها بالتليفون ناشدتنا بصوت خافت
- أريد أن أرى الأولاد
قررت ذلك اليوم أن أصحبهما إليها خاصة واليوم الجمعه
هذه السيدة صاحبة فضل علي شخصيا وطفلاي يعشقانها لما تجزله من عطاء وما تغدقه عليهما من هدايا
--------------------------------------------------------
كان الجو صحوا والطريق غير مزدحم مما جعل القيادة ممتعه
أحسست أن السيارة لا تحتاج سوى القليل من التحكم كي تواصل المسير
أقل لمسة لل"ديريكسيون" وأقل ضغطة على ال"أكسيليتير" توفي بالغرض
شعرت أن يداي وقدماي تندمجان بالفعل معهما
نظرت أمامي في نشوة معانقا الكون والأشياء
لاحظت ابتسامة سائق سيارة تجاوزتنا
ثم سمعت صوت سائق آخر محذرا:
- ذراعك يابني
نظرت خلفي فوجدات طفلاي يخرجان أيديهم من نافذة السياره فنهرتهما
- نحن نبعد السيارات التي تمر بجانبنا حتى لا تلتصق بسيارتنا أو تحتك بها
هددتهما بإغلاق النوافذ
- نحن نحاول منع الإصطدام بنا لتجنب المزيد من الخدوش والكدمات
أفهمتهما أن الشارع ملكية عامه وللجميع الحق في استخدامه ولا يحق لأحد التدخل في أسلوب قيادة الآخر طالما لا يؤذيه
رد الأكبر بأنه مجرد إجراء وقائي
وتبعه الأصغر بالسؤال إذا كان الشارع ملكية مشتركه فهل يحق لنا استقطاع جزء لبناء مكان خاص للجلوس وتأمل جمال البحر
رد الآخر بل لبيع الآيس كريم
أجبتهما أن المقصود هو حق الإنتفاع, وظيفة المكان وليس مساحة الحيز المكاني
تخيلوا لو أن كل إنسان استقطع جزءا وقام ببناءه ماذا يتبقى من الشارع كمسار للوصول إلى مدارسكم مثلا؟
أحسست بعدم اقتناعهما وأن النعاس يغافلهما فواصلت تأمل الطريق أمامي باستمتاع
زاحمتنا سيارة صغيرة متهالكة في عبور إحدى الفتحات فاحتج أحد طفلاي قائلا لمن الأولوية في الشارع؟ أليس هو حجم السيارات؟
رد الآخر في هذه الحالة نركب أوتوبيس أفضل!
غلبهما الضحك وغالبني الصمت
--------------------------------------------------------
فجأة إخترقت أذناي صرخة ثاقبة مفزعة
إلتفت ورائي مستطلعا في هلع
وجدتهما يتطلعان من النافذه ويبكيان
تجمدت قدمي على فرملة السياره محاولا التوقف وقد انخلع قلبي وانقبضت روحي
إختلت عجلة القيادة في يدي وكدت أصطدم بسيارة تمر بجانبي
ما أن توقفت حتي دوى صوت ارتطام شديد بمؤخرة السيارة دفعنا إلى الأمام بضعة أمتار
مع صوت حاد لفرملة سياره
ثم توقفت مجددا
تفقدت طفلاي في ذعر فوجدتهما وقد اصطدما بظهر المقعد المجاور لي دون إصابات
سألتهما عن سبب الصراخ والبكاء فأشارا بأيديهما من خلال النافذة إلى خارج السياره
--------------------------------------------------------
نزلت من السيارة أضرب كفا بكف تكاد رأسي تنشطر من التوتر والتفكير
ماذا أصاب سيارتي؟ لماذا صرخ الطفلان فجأه؟
داهمت عيناي بمنظرها البشع أشلاء قطة دهستها إحدى السيارات في نهر الطريق.
العجلات المسرعه فتت عظامها وهرست لحمها وأزهقت روحها
تمزق الجسد الصغير لقطة تعبر الطريق ومضى السائق دون أدنى التفات أو اكتراث
القطة كانت بيضاء
إستلقت على الأسفلت الأسود دون حراك
ودماء حمراء تمتد من الأشلاء لتتجاوزها بخطوات
--------------------------------------------------------
إرتطمت سيارة تاكسي بمؤخرة سيارتي
كسر غطاء الفانوس الخلفي وانخفست قليلا حقيبة السيارة إلى الداخل
تفقدت آثار الصدام بمزيد من الشرود وعدم القدرة على التفكير
- هي ناقصه؟ كمان تصليح؟ منين؟ لاحول ولا قوة إلا بالله
قبع السائق داخل سيارته في وجوم وقد جحظت عينيه وكساهما الإحمرار
صرخت في وجهه
-أنت المخطيء لأنك قادم من الخلف
-ولكنك توقفت فجأه
لم تحافظ على مسافة آمنة بيني وبينك!
نزل السائق وبدأ بمعاينة مقدمة سيارته
أحد الفوانيس تهشم تماما والآخر غطاؤه فقط
الماء الساخن يتدفق! لابد أن هناك شرخ بالرادياتير
إنفصل "كبوت" السياره إلى أعلى
وتحطمت الشبكة الأماميه
بادر السائق بالتعليق بصوت متحشرج
-لكن إصابتي أفدح
فكررت الاتهام على مسامعه
- أنت المخطيء ربما كنت نائما أو مخمورا؟
كادت تحدث مشاجرة بيننا لولا تدخل بعض الأشخاص ممن دفعهم فضولهم للتوقف ومتابعة المشهد عن قرب
حاول بعضهم إقناعه بأنه المخطيء لكنه ظل يتهرب
تطوع رجلان للشهادة معي وقام أحدهم بتصوير الحادثة بالموبايل
ربما تعاطفا مع منظر طفلاي يبكيان
قال أحدهم الحمد لله لاتوجد إصابات
وعلق الآخر سيارات هذه الأيام من ورق
لم أكترث واستأنفت الهجوم مجددا على السائق لكنه ظل محدقا بعينين زائغتين
كانت السيارات تبطيء حولنا لإشباع فضول ركابها بمشاهدة الحادث فازداد زحام الشارع وتوقفت تقريبا حركة السير.
--------------------------------------------------------
أخيرا وصل أمين الشرطه وطلب رخصتي القيادة ورخصتي السيارتين
إنتحى بالسائق جانبا وحاول إقناعه بإصلاح سيارتي لكنه ظل يجادل ويراوغ مدعيا أنه ليس مالك السيارة وإنما يعمل عليها باليوميه
أقسم أنه يعمل ليل نهار للإنفاق على أسرته وأبناء أخته اليتامى
حسم أمين الشرطة الأمر لصالحي وخير السائق بين إصلاح تلفيات سيارتي أو اتخاذ الإجراءات الرسميه
أخذ السائق يتوسل لي وينتحب بطريقة هستيريه
--------------------------------------------------------
شعرت بالدوار وأحسست برغبة شديدة في البكاء
قطع الغيار وتكلفة الإصلاح باهظة الثمن
كيف سأدفع القسط الشهري؟
إجراءت الإستفادة من التأمين الشامل متاهة أخرى
أحسست بتعاطف بعض الماره مع السائق فازداد توتري
وجدتني أبتعد عنهم منشغلا بتفقد كافة جوانب السياره رغم أن الإصابة من الخلف
إختل توازني وشعرت بالغثيان فاستندت على سقف سيارتي
لمحت الطفلين مازالا يجهشان بالبكاء داخل السياره وقد تسمرت عيونهم على منظر القطه
حاولت تهدئتهما دون جدوى ولم أستطع تحريك السياره بعيدا حتى تكتمل المعاينه
سحبت جريدة إشتريتها هذا الصباح ولم أكن قد قرأتها بعد
فكرت أن أغطي بها أشلاء القطه وأحجب عنهما رؤية ذلك المنظر البشع
--------------------------------------------------------
كان الماء الساخن يتسرب من شرخ الرادياتير
ممتدا نحو الجسد المتهتك للقطه
ممتزجا بدماء داكنة حول الأشلاء
يتجاوزه منسابا في خطين متعرجين متوازيين
متجها نحو رصيف الشارع
كأنه دمعتين
إنسكبتا على خد الأسفلت

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق